البَرَد بين العلم والقرآن
البرَد
هو أحد الظواهر الأكثر تعقيداً والتي بحثها العلماء طويلاً، ولم يزل هنالك
الكثير مما نجهله حول هذه الظاهرة الجميلة، فكيف تناول القرآن هذه
الظاهرة؟ وهل يتطابق مع العلم الحديث؟....
|
في
إحدى عواصف البرد في عام 2000 قُتل أحد الناس عندما سقطت عليه حبَّة برد
بحجم حبة التفاح! وفي عام 1981 سببت عاصفة رعدية نزل فيها البرد بكميات
كبيرة في الولايات المتحدة خسارة أكثر من 100 مليون دولار. وأكبر حبة برد
سقطت كانت في ولاية كنساس عام 1970 وتزن 750 غراماً.
يتجلَّى
تعقيد هذه الظاهرة من خلال العمليات بالغة التعقيد التي ترافق تشكل
البرَد، لأن تشكل البرَد يتم أثناء العواصف الرعدية، والتي تصل فيها سرعة
التيار الهوائي المتجه لأعلى الغيمة إلى 160 كيلو متراً في الساعة أو أكثر.
ويقوم العلماء اليوم باستخدام الرادارات التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء،
وكذلك الأقمار الاصطناعية لدراسة أسرار هذه الظاهرة المعقدة.
لقد
نُسجت الأساطير قديماً حول الظواهر الكونية المخيفة مثل كسوف الشمس والبرق
والرعد وظاهرة البرَد، فكان للناس معتقدات ينسبون فيها هذه الظواهر إلى
الآلهة، فالكسوف يعني غضب الآلهة أو موت زعيم عظيم، والبرق هو العصا التي
يستخدمها بعض الآلهة في الحرب، وغير ذلك من الأساطير التي لا تقوم على أي
أساس علمي.
لقد
نزل القرآن العظيم في القرن السابع الميلادي، وفي ذلك العصر كانت الأساطير
تملأ معتقدات البشر. ولكن كيف عالج القرآن هذه الظاهرة وماذا يقول عنها،
وهل صحيح ما يدَّعيه بعض الملحدين أن القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه
وسلم؟؟!
إن
المنطق العلمي يفرض كما في جميع الكتب البشرية أن المؤلف عندما يتحدث عن
ظاهرة كونية تجده ينقل لنا الأساطير التي تأثر بها، وتجد في ذلك الكتاب
ثقافة ذلك العصر. والسؤال: هل تأثر القرآن فعلاً بثقافة القرن السابع
الميلادي؟ وهل صحيح ما ينادي به بعضهم اليوم من أن القرآن نص تاريخي يقبل
التبديل والتغيير بما يتناسب مع علوم كل عصر؟؟
لنطلع
أولاً على ما يقوله علماء القرن الحادي والعشرين حول أسرار البرَد
والعمليات الفيزيائية المعقدة لتطور حبَّة البرَد، وسوف ننقل المعلومات من
أهم المواقع العالمية المتخصصة في هذا المجال. وبعد ذلك سوف نطلع على ما
جاء في القرآن حول تشكل البرَد، ونتأمل ونتساءل: هل يوجد أي اختلاف أو
تناقض بين العلم والقرآن؟ فإذا جاء كلام القرآن حول هذه الظاهرة الدقيقة
مطابقاً لأحدث الحقائق العلمية اليقينية كان القرآن كتاب الله تعالى، لأنه
يستحيل أن يأتي رجل مهما بلغ من العلم ويتحدث عن حقائق علمية صحيحة في ذلك
العصر.
نرى
في هذا الشكل الغيمة المناسبة لتشكل البرد، حيث تبدأ التيارات الهوائية
بدفع الغيوم للأعلى وتجميعها حتى تصبح على شكل برج ترتفع عدة كيلو مترات.
إن مجموعة من هذه الغيوم سوف تتآلف لتشكل الغيوم الركامية.
أما
إذا وجدنا كلام القرآن هو كلام عادي ولا يتفق مع معطيات العلم، أو وجدنا
أدنى اختلاف بين العلم والقرآن، كان هذا دليلاً على أن القرآن هو كتاب من
عند غير الله! وهذا ما نجده واضحاً في كتاب الله تعالى عندما أمرنا أن
نتدبَّر القرآن لنستيقن بأنه كتاب الله، يقول تعالى مخاطباً كل ملحد وكل
مؤمن: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ
غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82].
مراحل تشكل البرَد حسب أحدث الحقائق العلمية
في
البداية تبدأ التيارات الهوائية بدفع وسوق الغيوم المتفرّقة باتجاه
الأعلى. فحبات البرَد الصغيرة يتطلب تشكيلها تياراً هوائياً سرعته وسطياً
45 كيلو متراً في الساعة، أما حبات البرد المتوسطة فتتطلب تياراً هوائياً
بسرعة 88 كيلو متراً في الساعة تقريباً، حبات البرد الكبيرة تتطلب تياراً هوائياً سرعته 160 كيلو متراً في الساعة تقريباً.
ثم
تبدأ هذه الغيوم بالتجمع والتآلف، ثم بعد ذلك تتراكم الغيوم فوق بعضها
البعض مشكِّلة ما يشبه الأبراج العالية التي تمتد لعدة كيلو مترات في
الغلاف الجوي! في هذه الغيوم سوف تبدأ قطرات المطر بالتشكل، وكل مليون
قطيرة ماء باردة سوف تتجمع لتشكل قطرة مطر واحدة!!

في
هذه الغيمة نلاحظ خط الصفر (الخط الأحمر المتقطع) والذي يمثل درجة الحرارة
صفر، وفوق هذا الخط يبدأ تشكل البرَد. أي أن البرد لا يتشكل في أسفل
الغيمة إنما في أعلاها وأوسطها. وتظهر الأسهم الصفراء وهي تمثل تيارات
الرياح التي تسوق السحب باتجاه الأعلى لتكوين السحاب الركامي.
بعد
تجمع الغيوم تبدأ مرحلة تراكم هذه الغيوم فوق بعضها بفعل التيارات
الهوائية، وهذه المرحلة ضرورية لتشكل البرد، لأن البرد يتشكل في الأجزاء
العليا من الغيمة، ولذلك يجب أن تكون الغيوم مرتفعة كالجبال!
والآن
يبدأ تشكل البرَد عندما تكون درجة الحرارة منخفضة جداً، دون الصفر، حيث
تتجمع قطيرات الماء الصغيرة والشديدة البرودة لتتجمد وتشكل حبة البرَد.
ويقول العلماء: إن حبة البرد الواحدة والصغيرة يستغرق تشكلها زمناً 5-10
دقائق، وتحتاج لمئات الملايين من قطيرات الماء التي تتجمع لتشكيل حبَّة برد
واحدة!! وقد يصل أحياناً قطر حبة البرد إلى 15 سنتمتراً، وتصطدم بالأرض
بسرعة 180 كيلو متراً. يتشكل البرد على ارتفاعات عالية تصل إلى 18 كيلو
متراً.

رسم
يمثل طريقة تشكل البرد، ونلاحظ أن المطر يخرج من جميع أجزاء الغيمة، بينما
البرَد يتشكل ضمن منطقة محددة تشبة الجبل (المنطقة الخضراء) ويخرج من
مناطق محددة.
يتشكل
البرد حول قطرات الماء المجمدة، أو حول ذرات الثلج الصغيرة وقد يحوي
البرَد في داخله بعض الغبار والأتربة العالقة أو الحشرات الصغيرة التي
ساقها التيار الهوائي في الجو بين الغيوم. ويؤكد العلماء على أن الغيمة
الأطول تملك فرصة أكبر في تشكل البرَد بسبب ملامستها لطبقات الجو العليا
شديدة البرودة. والتيارات القوية من الهواء مطلوبة لتأمين تشكل البرَد،
وحمله والتغلب على قوى الجاذبية الأرضية خصوصاً إذا كانت حبات البرَد
كبيرة، وهذه التيارات هي ما يسبب تشكل أبراج من الغيوم الركامية كما يقول
العلماء!!!
كلما
كان التيار الهوائي المتجه للأعلى قوياً كانت حبات البرَد أكبر، وعندما
يعجز التيار الهوائي عن حمل حبات البرَد فإن البرَد سيسقط. لذلك عندما نقطع
حبَّة البَرَد إلى نصفين نلاحظ عدداً من الحلقات على شكل طبقات متعددة
تماماً كحلقات البصلة، وهذا يعني أن حبة البرد تتشكل على مراحل كل مرحلة
تنمو فيها حلقة. وقد لاحظ العلماء أن المطر ينزل من كل الغيمة بينما البرد
يسقط فقط من ممرات محددة من الغيمة وتدعى صفوف البرد.
تظهر
في هذا الشكل حبات برَد مقسومة إلى نصفين ونلاحظ وجود حلقات، مما يدل على
أن البرد تشكل على مراحل متعاقبة، تتمثل في دوران حبة البرد دورات متعددة
بسبب التيارات الهوائية، وفي كل دورة تتشكل طبقة.
طبعاً
جميع هذه المراحل والتي تسبق تشكل البرد ضرورية ولا يمكن أن يتشكل البرد
بدونها. يتواجد البرد بشكل شبه دائم في أعالي الغيوم وأواسطها. وعلى كل حال
إما أن تذوب حبة البرد قبل وصولها إلى الأرض أو تكون صغيرة الحجم فتذوب
داخل التيار الهوائي في الغيمة. وقد تبين أن معظم البرد المتشكل في الغيمة
(من 40-70 %) يذوب قبل وصوله إلى الأرض!
وأخيراً
يؤكد العلماء أن التيارات الهوائية المتجهة نحو الأعلى لا تقتصر مهمتها
على تشكيل البرَد، بل إنها أيضاً مسؤولة عن دفع قمم الغيوم الركامية عالياً
إلى طبقة التروبوسفير، مما يؤدي لخلق البيئة المناسبة لحدوث البرق!
إن
تشكل البرَد في الأجزاء العالية من الغيوم يهيء البيئة المناسبة لحدوث
البرق. إذن هنالك علاقة وثيقة بين البرَد والبرق لأن الظروف المناسبة لتشكل
البرد هي ذاتها المناسبة لحدوث البرق.
والآن
وبعدما تعرّفنا على الحقائق العلمية اليقينية حول ظاهرة تشكل البرَد والتي
هي محل اتفاق علماء الغرب، وبعد أن استمعنا إلى أهم الاكتشافات في هذا
المجال، ماذا عن كتاب الحقائق-القرآن؟ وكيف تناول كتاب الله تعالى هذه
الظاهرة وكيف وصفها؟
حقائق علمية من القرآن
لقد
تحدث القرآن عن البرَد في آية من آياته العظيمة، في هذه الآية جمع الله كل
الحقائق العلمية التي رأيناها بمنتهى الدقة والإيجاز، وبنفس التسلسل
العلمي. لقد بدأت الآية بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي
سَحَابًا) [النور: 43]. وقد رأينا أن عملية تشكل البرد تبدأ بدفع التيارات
الهوائية للغيوم وتجميعها والتآلف بينها، وكلمة (يُزْجِي) تعني في اللغة "يسوق ويدفع". وهذا ما نراه في أول مرحلة من مراحل تشكل البرد.
ثم
تأتي المرحلة الثانية بعد ذلك في قوله تعالى: (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ)،
أي يجمع بين السحُب، وهذه المرحلة رأيناها عندما تبدأ الغيوم بالتجمع. ثم
تأتي المرحلة الأخيرة لتشكل الغيوم وهي الغيوم الركامية وهذه نجدها في قوله
تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا). وكلمة "رَكَمَ" في اللغة تعني "ألقى
الأشياء بعضها فوق بعض"، وهذا ما يحدث تماماً في الغيوم الركامية حيت
تدفعها التيارات الهوائية باتجاه الأعلى وتجمّعها باتجاه عالٍ يشبه الأبراج
ذات القاعدة العريضة وتضيق كلما ارتفعنا للأعلى وتكوّن شكلاً يشبه
"الجبل". وتأمل معي كيف يستخدم القرآن كلمة (ركاماً) وهي نفس الكلمة التي
يستخدمها العلماء اليوم "الغيوم الركامية".
وفي
المرحلة التالية يبدأ تشكل المطر ونزوله وهذا ما تخبرنا عنه الآية بعد ذلك
في قوله تعالى: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) وقد ثبُت أن
المطر الغزير وهو (الودْق) يخرج من جميع أجزاء الغيمة وهذا ما أشارت إليه
الآية في عبارة (مِنْ خِلَالِهِ).

تظهر
في هذا الشكل حبة برَد عملاقة قطرها 15 سنتميراً، هذه الحبة تركبت من
عشرات البلايين من قطيرات الماء الصغيرة تجمعت وتآلفت وشكلت هذه الحبة!!
وتتم عملية تشكل هذه الحبة من البرَد وفق قوانين دقيقة ومحكمة بتقدير من
الله تعالى. وفق مراحل تتوافق مئة بالمئة مع ما جاء في القرآن الكريم.
والآن
بعدما تشكلت قطيرات المطر أصبحت إمكانية تشكل البرد ممكنة، وذلك من خلال
اجتماع ملايين القطيرات من الماء شديد البرودة لتشكيل حبات البرد والتي
تتجمع في مناطق محددة في أعلى وأوسط الغيمة ويبدأ نزول البرد من مناطق
محددة أيضاً، وهذا ما تحدثنا عنه الآية بعد ذلك: (وَيُنَزِّلُ مِنَ
السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ)!!
وهنا
نلاحظ أن القرآن يستخدم كلمة (جبال) والعلماء يستخدمون كلمة "أبراج" من
الغيوم، لأنهم وجدوا أن شكل الغيوم التي تحوي البرَد يشبه البرج. فتأمل
التقارب الشديد بين الكلمة القرآنية والكلمة العلمية. ونلاحظ أيضاً كيف
يراعي القرآن تسلسل المراحل.
ويقول
العلماء أيضاً إن البرد لا يوجد في جميع أجزاء الغيمة بل في مناطق محددة
فيها، وينزل من مناطق محددة أيضاً وليس من الغيمة كلها، ولذلك لم يقل
تعالى: وينزل البرَد، بل قال: (مِنْ بَرَدٍ) أي أن جبال الغيوم الركامية
تحوي شيئاً من البرَد.
ولكن
العلماء وجدوا أن قسماً كبيراً من البرد المتشكل يذوب قبل وصوله إلى
الأرض، وقسماً آخر يذوب داخل الغيمة. وهذا ما عبَّر عنه القرآن بقوله
تعالى: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ). إذن
الله تعالى يصيب بهذا البرد من يشاء فتجد أن حبات البرد تبقى متجمدة حتى
تصل إلى الأرض، ويصرف الله تعالى هذا البرد عمن يشاء من خلال ذوبان الجزء
الأكبر من حبات البرد وعدم وصولها إلى الأرض.
ولكن
بقي شيء مهم يحدثنا عنه العلماء كما رأينا وهو موضوع البرق وارتباطه
بالبرد. فالبيئة المناسبة لتشكل البرد هي ذاتها المناسبة لحدوث ومضة البرق،
وهذا أيضاً حدثنا عنه القرآن في نفس الآية في قوله تعالى: (يَكَادُ سَنَا
بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)، فتأمل أخي القارئ هذا التسلسل العجيب!!
حبات برد كبيرة أحدثت حفراً واضحة على التراب، إن الخسائر الاقتصادية التي يسببها البرد كل عام تقدّر بمئات الملايين من الدولارات.
الإعجاز العلمي للآية
لنكتب
الآن الآية كاملة ونرى الحقيقة العلمية الكاملة لظاهرة تشكل البرد:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ
ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ
بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ
يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) [النور: 43].
إن
الذي يتأمل هذه الآية الكريمة يدرك مباشرة التطابق والتوافق الكامل مع
معطيات العلم الحديث، ويدرك أيضاً أنه لا اختلاف ولا تناقض بين الحقيقة
العلمية اليقينية وبين النص القرآني. وفي هذا الدليل العلمي على أن القرآن
إنما نزل بعلم الله عز وجل، وأنه لا ينبغي لبشر ولا يستطيع أبدأً أن يتحدث
عن هذه الظاهرة المعقدة بكل الدقة العلمية التي رأيناها.
والآن نلخص إعجاز الآية من خلال ذكرها لمراحل تشكل البرد:
1- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا: إشارة إلى التيارات الهوائية التي تدفع وتسوق السحب باتجاه الأعلى.
2- ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ: إشارة إلى تجميع الغيوم لتشكل تجمعات كبيرة من السحب.
3- ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا: إشارة إلى تشكل الغيوم الركامية، أي المتراكم بعضها فوق بعض.
4- فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ: إشارة إلى تشكل قطرات المطر وخروجها من أجزاء الغيمة.
5-
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ: إشارة
الشكل الهندسي للغيوم الركامية، حيث تشبه الجبال في شكلها، وإشارة أيضاً
إلى أماكن تشكل وتجمع البرَد في أجزاء محددة من الغيوم وليس في كلها.
6-
فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ: إشارة إلى
وصول جزء من البرَد إلى الأرض، وذوبان الجزء الآخر من البرَد وعدم وصوله
إلى الأرض.
7-
يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ: أي يكاد ضوء البرق يذهب
بالأبصار، وفي هذا إشارة لحدوث البرق في هذه البيئة التي تشكَّل فيها
البرَد.
هذه
المقاطع السبعة تشكل آية عظيمة تحدث فيها الله تعالى عن تشكل البرد
ومراحله وعلاقته بالبرق بكلمات في قمة البلاغة والبيان، ولكن العلماء
استغرقوا عشرات السنين من البحث والتجارب وبالنتيجة وصلوا إلى الحقائق
ذاتها، والسؤال: أليس هذا إعجازاً واضحاً للآية الكريمة؟
إن
هذه الحقائق دليل على أن القرآن كتاب الله ولو أن هذا القرآن من تأليف بشر
لوجدنا فيه اختلافات كثيرة، وهنا يتجلى قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).نعمة الجاذبية الأرضية
هل تخيلت نفسك مرة وأنت تعيش
خارج الأرض؟هل فكرت من قبل بنعمة الجاذبية الأرضية؟ هل تفكرت في معنى
قوله تعالى (الأرض مهداً.. الأرض قراراً..) إذن لنقرأ هذا البحث........
|
ما أكثر الآيات التي نمر عليها ونحن غافلون عنها وعن
عظمتها ودلالاتها ومعجزاتها. وما أكثر الحقائق العلمية التي اكتشفها
العلماء وقد جاء الحديث عنها في القرآن بكل دقة وبيان. فقد طرح القرآن
العديد من الأسئلة على أولئك المشككين وذكَّرهم بنعمة الله وأنه هو الذي
سخر لهم هذه النعم. ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: (أَمَّنْ
جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا
رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النمل: 61].
هذه آية عظيمة تسأل هؤلاء المعرضين الذين جحدوا بنعمة
الله: مَن الذي جعل لهم الأرض قراراً أي مكاناً يستقرون فيه؟ ومن الذي خلق
هذه الأنهار، ومن الذي خلق الجبال، ومن الذي جعل البرزخ بين البحار...
والحقيقة أن كل هذه الحقائق العلمية لم تكن مكتشفة زمن نزول القرآن وعلى
الرغم من ذلك أمر الله هؤلاء أن يفكروا فيها ليدركوا الأسرار الخفية
وراءها.
فالإنسان يعيش على هذه الأرض منذ آلاف السنين وهو لا
يحس بأي فوضى أو عدم استقرار ولا يدرك نعمة وقيمة أن تكون الأرض مكاناً
يستقر عليه ولا تضطرب حياته فيها. ولكن ما معنى ذلك؟
ماذا لو...
يقول العلماء إن الأرض هي الكوكب الوحيد الذي جاء
تصميمه مناسباً تماماً للحياة المريحة والمستقرة، وحجم الأرض وكتلتها
وبعدها عن الشمس وسرعة دورانها حول نفسها وحول الشمس، مناسب جداً للحياة،
ولو أن حجم الأرض أو كتلتها أو بعدها عن الشمس أو سرعة دورانها كانت أكبر
بقليل أو أصغر بقليل لاختلت الحياة على ظهرها.
إن
الذي يتأمل موقع الأرض داخل المنظومة الشمسية يلاحظ أن الله تبارك وتعالى
هيَّأ هذه الأرض لتكون صالحة للحياة، بعكس بقية الكواكب. وهذه نعمة من نعم
المولى يجب أن نشكره عليها.
ولكن هناك أمر مهم جداً لولاه لا يمكن لنا أن نستقر
على هذه الأرض وهو الجاذبية الأرضية، فكوكب الأرض يمتاز بجاذبية محددة
مناسبة للحياة المستقرة، ولو كانت جاذبية الأرض أقل مما هي عليه (مثل
القمر) فإن الإنسان سيطير في الهواء عندما يبذل أي جهد، ولو كانت الجاذبية
أكبر مما هي عليه (مثل المشتري) لالتصق الإنسان بالأرض ولم يعد قادراً على
الحركة!!!
ماذا يسبب انعدام الوزن
إنها قوة سخرها الله لجميع الأجسام في الكون لتتجاذب،
فالأرض تشدنا نحو مركزها، بفعل قوة جاذبيتها، ولذلك فإننا نحس بالاستقرار
على ظهرها، وبالتالي فهي قرار لنا. لو كنا على سطح القمر مثلاً فإن وزن
أحدنا سدس وزنه على الأرض، أي أن الرجل الذي يزن على الأرض 90 كيلو غرام،
سيكون وزنه على القمر 15 كيلو غرام فقط!
ولا نحس بنعمة الجاذبية إلا عندما نغادر الأرض! وهذا
ما يشكو منه رواد الفضاء، حيث يقول العلماء الذين صعدوا إلى الفضاء الخارجي
وعاشوا حالة انعدام الوزن أو انعدام الجاذبية أو انعدام الاستقرار على
الأرض:
1- إننا نعاني من أمراض كثيرة مثل الغثيان وصعود الدم
للأعلى في الجسد بدلاً من الأسفل وبالتالي انتفاخ الوجه، أما العظام فتفقد
جزءاً من الكالسيوم. وبالتالي فإن الذي يعيش في الفضاء يُصاب بنخر العظام،
بل يفقد من كتلة عظامه كل سنة أكثر من 20 بالمئة.
2- بنتيجة عدم الاستقرار وغياب الجاذبية فإن الدورة
الدموية ستضطرب وتتشكل حصيات في الكلية، سوف تضمر العضلات، ويتباطأ تقلص
الأمعاء مما يعيق هضم الطعام. سوف يرتفع لديه ضغط الدم، ويتسرّع قلبه، مما
يسبب له مشاكل في نظام عمل القلب، تبقى لمدة أشهر حتى بعد عودته إلى الأرض.
3- سوف يختلف إيقاع الجسم الطبيعي بسبب فقدان طلوع
الشمس وغروبها، فالظلام يخيم على كل شيء في الفضاء، وبالتالي سوف تختل دورة
الجسم ونظامه ولا يعود قادراً على فعل شيء. كما أن الأشعة الكونية القاتلة
سوف تؤثر عليه وتسبب أذى لجهازه العصبي، وقد يُصاب بأورام خبيثة نتيجة هذه
الإشعاعات.
4- يعاني من يفقد الجاذبية ويعيش في الفضاء من قلة
النوم، لأنه فقد الجاذبية التي تجعل رأسه مستقراً على الفراش أثناء النوم،
فهو يحس أنه يسبح في سائل ما، ولذلك لا يتمكن من النوم إلا بصعوبة. وسوف
يضعف لديه نظام المناعة، وهذا يمكِّن أي فيروس من السيطرة على جسده ومن
المحتمل أن يُصاب بأي مرض بما في ذلك السرطان!
لو
كانت الأرض بحجم القمر مثلاً لانخفضت قوة الجاذبية ولم يعد الإنسان
مستقراً، ولذلك يقول العلماء إن حجم الأرض وكتلتها مناسبان جداً لقوة
الجاذبية المثالية للإنسان ليتمتع بالاستقرار.
5- سوف تحدث اضطرابات عديدة في القلب لأنه سيعمل أكثر،
فالجاذبية الأرضية تساعد القلب على ضخ الدم، وعند غياب الجاذبية فإن القلب
سيبذل جهداً أكبر مما يُضعف القلب. بل إن الدكتور William Evans من وكالة ناسا للفضاء يقول إن الخروج خارج الأرض هو بمثابة "كابوس طبي" حيث يعجز الطب عن علاج الأمراض الناتجة عن انعدام الجاذبية.
كذلك فإن الذي يعيش في الفضاء بعيداً عن جاذبية الأرض
يعاني من صعوبة التبول لأن السوائل تبقى معلقة وملتصقة بجسده ولا تنزل
للأسفل! وبالتالي فإن أبسط الأشياء سوف تختل. ويقول الباحثون إن مجرد
الحياة في الفضاء يعتبر موتاً بطيئاً!!
مشاعر رواد الفضاء
ولذلك فإن رواد الفضاء عندما يعودون إلى الأرض يحسون
وكأنهم عادوا إلى بيتهم! ولذلك فإن الله تعالى وصف لنا هذا الإحساس عندما
وصف الأرض بأنها كالمهد بالنسبة للإنسان، والمهد هو السرير الذي ينام فيه
الطفل ويستقر: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى) [طه: 53]. وقال أيضاً: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الزخرف: 10]. وقال أيضاً: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) [النبأ: 6].
وتأملوا معي كيف يصف الله الأرض بأنها مهد، ثم يذكرنا بنعمة عظيمة يفقدها الإنسان أيضاً في الفضاء وهي: (وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)،
فقد جعل الله في الأرض طرقاً وأشياء نهتدي بها، أما الإنسان في الفضاء فلا
يستطيع التوجه، لأنه محاط بظلام دامس من كل مكان، والذي يوجهه هو قوة
الجاذبية فقط! فتأملوا هذه النعمة (نعمة التوجه) التي نستخدمها كل يوم ولا
نحس بقيمتها إلا عندما نفقدها!
يفقد رائد الفضاء الكثير من الميزات التي يتمتع بها على الأرض، لذلك فإن رواد الفضاء يصابون بأمراض تسمى "أمراض الفضاء" Space Sickness
وهي أمراض ناتجة عن فقدان نعمة الجاذبية الأرضية. تصور أن إنساناً لا يعرف
كيف ينام وفي أي اتجاه! وتصوروا معي المشهد في الصورة حيث نرى أحد رائدي
الفضاء ينام ورجليه للأعلى! هل تحسون معي بنعمة الجاذبية؟
ويؤكد العلماء في أقوالهم بأن الإنسان لن يستطيع
الذهاب بعيداً في الفضاء بسبب الخطر الناجم عن الأشعة الكونية الخطيرة
والتي تخترق أي جسم وتصل إلى أعماق الخلايا عند الإنسان، وبالتالي فإن
الموت سيكون المصير الطبيعي لمن يحاول الابتعاد عن الأرض كثيراً، وربما
نتذكر في هذا الموقف قول الحق تبارك وتعالى: (يَا
مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ
أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا
بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [الرحمن: 33-34].
لقد بدأ الإنسان يحس بنعمة الجاذبية فقط منذ عام 1961 عندما أبلغ رائد الفضاء الروسي Gherman Titov عن أول حالة مرض فضاء،
وذلك بعد خروجه خارج الأرض لمدة 25 ساعة. حيث حدث له إغماء واضطرابات كثيرة
في الرؤية والسمع والإدراك واضطرابات في الجهاز العصبي غير ذلك.
يقول
العلماء: إن الإنسان بمجرد خروجه خارج نطاق الجاذبية الأرضية يُصاب بأمراض
الفضاء على الفور، وأول ما يُصاب لديه حاسة البصر التي تختل ويرى الأشياء
من حوله وكأنها تدور، ويحس وكأنه في حالة سكر أو تخدير! بل إنه يتخيل أشياء
ليست حقيقية وكأنه مسحور بالفعل!
اضطرابات الرؤيا
إن أول اضطراب يُصاب به رائد الفضاء هو اضطراب بصري،
حيث تختل الإشارات الصادرة عن العين وتختلط مع الإشارات السمعية، وبالتالي
فإن رائد الفضاء وبسبب فقدان التوازن في حاسة الرؤيا يحس بأن بصره قد أصابه
التشويش ويفقد التنسيق بين الأذن والعين، وهذه الحالة تشبه حالة إنسان شرب
الخمر وفقد التوازن واضطربت حاسة الرؤيا لديه!!
ويقول الأطباء إن الجسم يعاني من حالة فقدان التوازن
وفقدان الوعي بشكل كبير ولا يعود الإنسان مدركاً ماذا يفعل. حتى إن معظم
رواد الفضاء يفضلون تناول الأدوية المخدرة للتغلب على هذه الأحاسيس
والاضطرابات. وهكذا يحس من يعيش خارج الأرض وكأنه قد فقد توازنه والقدرة
على التحكم بنفسه فهو كإنسان مسحور لا يدرك ماذا يفعل وبخاصة في الأيام
الثلاثة الأولى لرحلته! فلا يُسمح له بممارسة أي نشاط تقني حتى يتأقلم مع
الوضع الجديد.
ولذلك وصف لنا رب العزة تبارك وتعالى حال من يخرج خارج
الأرض باتجاه السماء بأنه يحس بحالة أشبه بالسُّكر أو السحر بسبب هذه
التغيرات الغريبة التي تحصل له، يقول تعالى: (وَلَوْ
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ
* لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ
مَسْحُورُونَ) [الحجر: 14-15]. وهنا نجد تفسيراً لطيفاً لابن كثير حيث يقول: (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) وقال ابن زيد: السكران الذي لا يعقل!
عندما
نغادر الغلاف الجوي نرى ظلاماً دامساً، ونحس وكأن بصرنا قد أُغلق تماماً!
وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله تعالى: (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ
أَبْصَارُنَا)، فقد وصف لنا القرآن بدقة مذهلة ما يراه رائد الفضاء قبل
أربعة عشر قرناً.
فرائد الفضاء يحس وكأن بصره يدور ويرى العالم منقلباً
رأساً على عقب، بل إن أحد رواد الفضاء عندما سئل كيف كنتَ ترى الأشياء في
الفضاء: قال كنتُ أحس بأن العالم يدور من حولي!! كما أن أحد رواد الفضاء في
وكالة ناسا استيقظ ليلاً وهو على مركبته فرأى ساعة يد تعوم أمامه وبدأ
يفكر من أين جاءت، وبعد فترة استوعب أن هذه الساعة موجودة في يده!!
وبالتالي فإن الجسم يفقد التنسيق بين الأذن والعين، ويحس رائد الفضاء وكأن
حاسة البصر مخدَّرة لا تستطيع التجاوب مع حاسة السمع.
نتائج علمية جديدة
تقول الدكتورة Kathleen Cullen من المعهد الطبي لأبحاث
الفضاء وتفسر ما يحدث لرائد الفضاء عندما يخرج من نطاق جاذبية الأرض: إننا
ندرك العالم من حولنا من خلال دمج المعلومات السمعية والبصرية ، وتحدث
المشكلة عندما يحدث تعارض بين السمع والبصر يدعى "التضارب الحسي" والذي
يسبب الغثيان أو مرض الفضاء.
يصف لنا رواد الفضاء الذين عادوا إلى الأرض إحساسهم
ويقولون: منذ اللحظة الأولى لخروجنا من نطاق جاذبية الأرض بدأ الخداع
البصري وبدأت أعيننا تدخل في حالة من الوهم والتخيل، فكنا لا نميز بين
الأعلى والأسفل، أشبه بإنسان مسحور! حتى إن أحد رواد الفضاء أفاق من نومه
وهو داخل مركبته فرأى الأرض فوقه بدلاً من أن يراها تحته كما تعود على ذلك
فأغمي عليه وتقيَّأ.
وتتابع قولها: إن الأعراض التي يحس بها رائد الفضاء هي
نفسها التي يعاني منها من أفرط في شرب المسكرات!!! لأن شرب الخمر يؤدي إلى
فقدان التنسيق بين حاسة البصر وحاسة السمع، وبالتالي يشعر رائد الفضاء
وكأنه سكران!
ثم تقول: إن العديد من الناس على الأرض عاشوا نفس
الإحساس الذي يحسه رائد الفضاء، وذلك عندما يشربون كمية من البيرة، ولكن مع
فارق بسيط وهو أن الخمر يؤثر أكثر على حاسة السمع، أما انعدام الوزن فإنه
يؤثر على حاسة البصر، هناك أمر آخر وهو أن الذي يسكر على الأرض يستطيع أن
يفيق من ذلك بعد يوم مثلاً، أما في الفضاء فيكون في حالة سكر دائم!!!
إعجاز متعدد في كلمة (سُكِّرَتْ)
والسؤال هنا أحبتي في الله: أليس هذا ما يقوله القرآن قبل أربعة عشر قرناً: (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا)، وكلمة (سُكِّرَتْ) جاءت من فعل (سَكَرَ) أي حُبست عن النظر أو حُيِّرت أو غُشِّيت وغُطِّيت، وكل هذه المعاني صحيحة وتنطبق على رائد الفضاء.
ومن معاني (سُكِّرَتْ) أُغلقت، والحقيقة في اللحظة
التي يغادر فيها رائد الفضاء الأرض يشعر بظلام دامس فلا يعود يرى شيئاً،
وبالتالي فإن رواد الفضاء الذين عادوا من رحلاتهم يصفون شعورهم وكأن بصرهم
قد أُغلق! وبالتالي فإن كلمة (سُكِّرَتْ) تناسب جميع الحالات التي يحس بها
من يخرج خارج الأرض وهذا من عظمة كتاب الله تعالى.
تأملوا
معي كم يحتاج الإنسان من تجهيزات وتقنيات وملايين الدولارات وعلماء وأبحاث
ووكالات فضاء... كل ذلك ليتمكن من العيش خارج الأرض لأيام، وعلى الرغم من
ذلك يصاب بمئات الأمراض، ومعظمها ناتجة بسبب غياب الجاذبية، فهل نقدِّر هذه
النعمة، ونقدر قول الحق تبارك وتعالى عندما خاطب كل واحد منا: (اللَّهُ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
[غافر: 64].
والعجيب أننا نجد بعض البشر يتكبرون على خالقهم
ورازقهم سبحانه وتعالى، ومن غرائب ما قرأت أن كثير من الحيوانات والحشرات
لديها القدرة على التأقلم مع حالة انعدام الجاذبية، بل إن الفئران
والصراصير أكثر قدرة من الإنسان على العيش في الفضاء!
وأخيراً هل أدركنا بعد هذه الحقائق أهمية الجاذبية وأهمية أن نكون مستقرين على سطح الأرض؟ هل ازددنا فهماً لمعنى قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [غافر: 64]. وهل أدركنا أن الأرض هي فعلاً بيت ومهد لنا كما قال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الزخرف: 10].
هل أدركنا أهمية أن نحس بالاتجاهات من حولنا، هذه
النعم بمجرد أن نخرج خارج الأرض سوف نفقدها على الفور بل ونصاب بالأمراض!
هذا الإله الرحيم المتفضِّل ألا يستحق منا أن نشكره، أن نسجد له، أن
نحبَّه؟!
إنها نعم كثيرة أنعمها الله علينا، فكل ما يطلبه هذا
الإنسان يحققه له المولى عز وجل، ونلاحظ كيف أن البشر كلما حاولوا اختراع
شيء يسره الله لهم، حاولوا الصعود إلى الفضاء وحقق لهم الله هذا الأمر،
وغير ذلك كثير، ولكن الإنسان يظلم نفسه عندما يجحد بهذه النعم التي لا تُعد
ولا تُحصى، ولذلك يقول تعالى: (وَآَتَاكُمْ
مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا
تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم: 34]... اللهم لك الحمد حتى ترضى ... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هیچ نظری موجود نیست:
ارسال یک نظر